| First Published 2010-07-29 ياللعار لقد اختار أن يكون معارضاً في العراق!
ليس ثمة معارضة في بلد محتل، أليس هذا أمر عجب؟ فالكل مدعو وملزم بالمشاركة في الحكم، حتى أولئك الذين لم يفوزوا بالانتخابات.
ميدل ايست اونلاين
في ظل الاحتلال، وتحت حرابه، لا من معارض ولا هم يحزنون. ليس ثمة معارضة في بلد محتل، أليس هذا أمر عجب؟
إذا كان لدى البعض شك فيما نقول فليتجه بإنظاره إلى العراق، إلى ما يُسمى بالعملية السياسية، حيث الكل مدعو وملزم بالمشاركة في الحكم، حتى أولئك الذين لم يفوزوا بالانتخابات.
في برلمان العملية السياسية ليس ثمة معارض، لماذا يعارض؟ ومن يعارض؟ والخير عم البلد من أقصاه إلى أقصاه، والقادة، كل القادة أصبحو مضرب المثل في العفة والنزاهة، والترفع عن المغانم، إذ لا هم لهم سوى خدمة الشعب، والسهر على راحته، فمن يعارض من؟!
لقد أضحى العراق بفضل المحتل، أو لنلطفها قليلاً بفضل العملية السياسية، رديف المدينة الفاضلة، لا حاكم ولا محكوم، الكل راع والكل مسؤول عن الرعية، ومن لا يصدق فلينزل إلى الشارع ويسأل الرعية التي هي بنفس الوقت راع.
قد يسأل البعض أين هي الرعية، فنحن لم نشاهد سوى مُنعمين تفيض النعمة من حواشيهم وثناياهم. الكل فرح ومُبتهج ومسرور، يسير آمناً مطمئناً على يومه وغده. ينام قرير العين، مرتاح البال، لا تجول في خاطره سوى الأحلام الوردية.
في شوارع المدن العراقية، وتحديداً في بغداد، لا تستطيع مهما أوتيت من قوّة الملاحظة ودقتها، تميز الراعي من الرعية، الحاكم من المحكوم. الكل بنفس السحنة، بنفس الهندام، بنفس القدر من التواضع والبساطة، يسيرون على الطريق المستقيم، لا أحد يزاحم أحد، وعندما ترى شخصاً يتقاوى على نفسه، ويلصق جسمه النحيل بالحائط فاسحاً المجال لغيره ليمر، فأعلم – هداك الله- أن هذا أحد المسؤولين في دولة العملية السياسية، قد يكون وزيراً، أو نائباً في البرلمان، وربما رئيس كتلة نيابية.
فإذا كان الله قد حبانا بهكذا نوع من الحكام الخدم، وكيلا يُساء فهم ما أقصد، أوضح: خدم الشعب، فهل يمكن لأحد أن يتصور أن هؤلاء المتفانون في خدمة الشعب والساهرون على مصلحته، ولو على حساب مصالحهم، يمكن أن يختلفوا على منصب أو وظيفة؟ على مركز أو موقع أو جاه أو منفعة، والجاه كله للشعب، والمنافع كلها للرعية.
من بمقدوره تسويغ معارضة الرفاهية؟ من بمقدوره إقتراف عار أن يكون معارضاً للنبل المُتجسد في هذه النخب، التي إجترحت المعجزات، خلال فترة قياسية، لا تتجاوز السنوات السبع، كانت عجافاً على أعداء الشعب وعرساً غير منتهية فصوله بالنسبة للشعب؟
تأبى كرامة نخب العملية السياسية أن تتحمل وزر أن تكون معارضة فلا يقبل هذا لا الشرف التليد، ولا الناموس، ولا الرجولة وفق المعايير العشائرية.
عار ما بعده عار أن يهرب السياسيون من تحمل التضحيات المستحقة من أجل هذا الشعب، فإذا لم ينبروا لخدمته، وتحمل العناء وضنك العيش من أجله، فلمن يتركوا هذه المكارم؟. لقد عقدوا العزم على أن يهرقوا "عرق الجبين" في العراق، وعلى أرض العراق، وأمام كل العراقيين!
في الدول شبه الديمقراطية، حيث العدالة ناقصة، والحرية مثلومة، والحكام يتسمون بالطمع والجشع، والركون إلى إغراءات الدنيا الفانية، تنشأ المعارضات، وهذا أمر طبيعي، فالظلم إذا دام دمر، أما في بلد العملية السياسية، بلد المؤمنين الخيرين، الصائمين المصلين، فقد تم، بفضل إبداع نخب العملية السياسية، وخلال فترة قياسية تجاوز كل هذ، لقد جعلوا من العراق مخيفاً لجيرانه، ليس بسب الخير الذي عمه، ولا بسبب الأمن الذي ساده، ولا بسبب الحرية التي تلألأ نورها في سمائه، وليس بسبب تفولذ وحدته، وتعزيز قوته، ليس بسبب هذا وغيره كثير، وإنما بسبب إنعدام الفوارق والفواصل بين الحاكم والمحكوم، في الراتب والمسكن والمأكل، وبسبب إنبثاق قيادات جديدة، من نمط خاص وفريد، وغير مسبوق، قيادات منذ وضعت على الكراسي، وهي مشغولة بسن وتشريع كل ما من شأنه تعظيم الرعية وتقزيم الحاكم، ومن كان في شك من هذا فما عليه سوى مراجعة قوانين وتشريعات المجلس النيابي السابق، تلك القوانين التي قلصت منافع ومكاسب السادة النواب والسادة الوزراء، للدرجة التي بات فيها السيد النائب، مثلما السيد الوزير، يحسد معالي وفخامة وجناب حضرة المواطن الذي ينعم بمكاسب ومغانم لا أول ولا آخر لها، بحيث أصبح المواطن العراقي إذا ما أراد أن يدعو على زميل له بدعاء يستجلب الفقر والمسغبة، تمنى له أن يكون نائباً أو وزيراً في حكومة العملية السياسية، ليتذوق طعم الحرمان، وذلة العوز والحاجة.
لو أن فرسان العملية السياسية تخلوا عن السلطة التي هي في حقيقتها، رغم آلامها وهوانها وعوزها، تزكية للنفس وتطهير لها وفق لغة المؤمنين، أو رياضة للروح والجسد وفق لغة العلمانيين، لو أنهم تخلوا عن ميادين النضال والمجالدة من خلال الكرسي، جالب العوز والنكد والضعف والهوان، وإتجهوا إلى المعارضة، حيث الترهل والتخمة والرفاه والبطر، فإن خسارة العراق ستكون في هذه الحالة مزدوجه، كخسارة بلد يرجم بكيمياوى مزدوج، حيث ستتشوه العملية السياسية وهذا أمر أقرب ما يكون إلى الكارثة أعاذنا وأعاذكم الله منها، هذا من جهة، أما من الجهة الأخرى، ولكل أمر وفق عرفنا عدة وجوه، فإن النخب، الصافية النقية، الشفافة، التقية، الورعة، عفيفة اليد واللسان، هذه النخب التي سقلتها المحنة، وفلوذها العوز والحرمان، وعزز من شكيمتها ضعف الحيلة، وهي في مواقع المسؤولية التي لا ترحم، ستُفسد حتماً وهي في مواقع المعارضة، البطرة، العاطلة المتعطلة، المُتخمة، والمتنعمة بكل الخيرات والإمتيازات والمنافع.
لقد إختارت نخب العملية السياسية عن قناعة ويقين، كل النخب وبلا إستثناء، سنية وشيعية وكردية، دينية وعلمانية، الإبتعاد عن كل مغنم، وكل مصلحة شخصية، كان شعارها ومازال، خدمة الشعب والوطن، ولأجل هذا قررت الإبتعاد عن المعارضة الفاسدة المفسدة، بكل إمتيازاتها التي لا تحصى، والتمسك بالكرسي الذي أضحى يدب بلا عجلات بين الناس، في الشارع والحارة والمقهى.
لم يعد بمقدور أحد التفريق بين كرسي رئيس الوزراء وكرسي تلميذ المدرسة!
ترى أي من هؤلاء سيتجرأ على إقتراف جريمة مفارقة الشعب ومناهضة خياراته بالالتجاء إلى المعارضة، حتى ولو كانت معارضة كراسي تحت قبة البرلمان؟
صباح علي الشاهر
|