First Published 2010-07-26

معنى التقريب.. في مهمة ميتشل!

 
بقلم: جواد البشيتي

الفلسطينيون، قبل غيرهم، يريدون أن يعرفوا من الرئيس أوباما على وجه الخصوص، لماذا كانت المفاوضات غير المباشِرة، ولماذا يُراد لها أنْ تَضَع مولودها، المفاوضات المباشِرة، على هيئة 'جهيض'.

ميدل ايست اونلاين
زمنياً، تنتهي المفاوضات غير المباشِرة (التقريبية) أو مهلتها (أربعة أشهر) في الثامن من أيلول المقبل؛ ولكنَّ إدارة الرئيس أوباما، التي يقوى لديها الميل إلى تبنِّي مزيدٍ من مواقف ومطالب وآراء حكومة نتنياهو، تَسْتَعْجِل قَطْع وإنهاء هذه المفاوضات، والانتقال إلى المفاوضات المباشرة بين نتنياهو ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس من غير أن يكون مبعوثها جورج ميتشل ثالثهما، وكأنَّ هذا "الوسيط المقرِّب" بين مواقف ووجهات نظر الطرفين قد أنجز مهمته على خير وجه، وحان له أن يستريح!

أمَّا "سياسياً"، أو من الوجهة السياسية التي هي المرجعية والمقياس والميزان، فلا بدَّ للقائلين بضرورة "القَطْع" و"الانتقال"، وفي مقدَّمهم إدارة الرئيس أوباما، من أن يقطعوا الشكَّ بسكِّين اليقين، وأن يقيموا الدليل، بالتالي، على أنَّ السبب الذي منع المفاوضات المباشِرة من قبل، أو أوْجَب أربعة أشهر من المفاوضات غير المباشِرة والتقريبية، قد زال؛ فهل يجرؤ الرئيس أوباما، الذي يُضْرَب به المثل بـ "الثبات على مواقفه المبدئية"، على أن يوضِّح لكل منادٍ بسياسة تضيق فيها الفجوة الواسعة بين "القول" و"الفعل" كيف نجح مبعوثه في التقريب بين الطرفين، وبما يسمح بالانتقال فوراً، واليوم قبل الغد، إلى المفاوضات المباشِرة؟!

والفلسطينيون، قبل غيرهم، يريدون أن يعرفوا، ومن الرئيس أوباما على وجه الخصوص، لماذا كانت المفاوضات غير المباشِرة، ولماذا يُراد لها أنْ تَضَع مولودها (المفاوضات المباشِرة) على هيئة "جهيض".

ولا شكَّ في أنَّ أوَّل (وأهمَّ) شيء ينبغي للرئيس أوباما أن يُثْبِته ويؤكِّده هو أنَّ النزاع بين الطرفين في شأن الاستيطان (في القدس الشرقية على وجه الخصوص) والذي منع من قبل المفاوضات المباشِرة قد سُوِّي، أو اتُّفِق على تسويته، بما يُبْطِل سبب الاعتراض الفلسطيني (والعربي) على بدء، أو استئناف، التفاوض المباشر بين الطرفين.

حتى الآن لم نرَ من "المرئي" من نتائج مهمة ميتشل، أو المفاوضات غير المباشِرة، أو "التقريبية"، إلاَّ ما يؤكِّد فشلها، ويُرجِّح كفَّة توقُّع أنْ تمنى بمزيدٍ من الفشل (إذا ما استمرت حتى انتهاء مهلتها) على كفَّة توقُّع أن تنجح.

وحتى الآن لم نرَ من النتائج (الواضحة الجلية) لجهود ومساعي "المُقَرِّب"، أي الرئيس أوباما ومبعوثه ميتشل، إلاَّ ما يُثْبِت ويؤكِّد أنَّ التقريب المتحقِّق (في وجهات النظر والمواقف) لم يكن بين نتنياهو وعباس؛ وإنَّما بين نتنياهو وأوباما؛ والفضل (كل الفضل) في ذلك إنَّما يعود إلى اقتراب أوباما (أكان هذا الاقتراب إرادياً أم اضطِّرارياً) من نتنياهو الذي لم يتزحزح قيد أنملة عن مواقفه.

وهذا "التقارُب"، أو هذا التقريب لمواقف إدارة الرئيس أوباما من مواقف حكومة نتنياهو والتي هي مواقف تصلح لمنع كل تفاوض بينها وبين الفلسطينيين، اقْتَرَن بـ "تباعُد" بين إدارة الرئيس أوباما والفلسطينيين؛ وهذا "التباعد" يُشدِّد الحاجة إلى "طرف ثالث"، أو إلى "ميتشل آخر"، يتوفَّر على التقريب بينهما في وجهات النظر والمواقف.

وهذا "الطرف الثالث"، أو "ميتشل الآخر"، إمَّا أن يتوفَّر على التقريب بين إدارة الرئيس أوباما والفلسطينيين من خلال إقناع تلك الإدارة بضرورة وأهمية "التراجع عن تراجعها"، وبأن تصبح وسيطاً غير منحاز، أو أقل انحيازاً، إلى إسرائيل، وإمَّا أن يتوفَّر على التقريب (السلبي) بينهما من خلال "إقناعه" السلطة الفلسطينية بضرورة وأهمية أن تبتعد عمَّا تلتزمه حتى الآن من مواقف ومطالب وشروط، لتقترب من إدارة الرئيس أوباما التي تزداد اقتراباً من نتنياهو، أو من نتنياهو ـ ليبرمان!

وإنَّ أخشى ما أخشاه أن تأتي النتائج متَّفٍِقة مع توقُّعي، فيتولَّى العرب، عبر "اللجنة" التي استحدثوها لتفويض المفاوِض الفلسطيني، بعد نيله تفويضاً فلسطينياً، مهمَّة "إقناع" السلطة الفلسطينية بضرورة وأهمية أن تجنح لهذا التقريب السلبي (فلسطينياً) بينها وبين إدارة الرئيس أوباما.

السلطة الفلسطينية، وعبر رئيس دائرة شؤون المفاوضات في المنظمة صائب عريقات، أعلنت موقفاً جيِّداً، وإنْ كانت "الممارسة" هي المقياس الحقيقي والنهائي الذي به نقيس هذا الموقف لجهة جودته.

لقد أعلنت أنَّ ما بقي من مهلة المفاوضات غير المباشرة والتقريبية يجب أن يُسْتَنْفَد في "إقناع" حكومة نتنياهو بضرورة أن تلتزم التزامين اثنين إذا ما أرادت لنهاية المفاوضات غير المباشِرة أن تكون بداية لمفاوضات مباشِرة.

الالتزام الأوَّل هو التزامها (المُعْلَن) وقف كل نشاط استيطاني، على أن يشمل هذا الوقف القدس الشرقية على وجه الخصوص؛ أمَّا الثاني فهو التزامها (المُعْلَن) مبدأ "حل الدولتين"، والذي لا معنى له (أي لا معنى لهذا المبدأ أو لذاك الالتزام) إذا لم تَقْبَل هذه الحكومة، علانيةً، أن يكون خط الرابع من حزيران (1967) هو نفسه، ومن حيث المبدأ والأساس، الخط الحدودي بين الدولتين.

عريقات تحدَّث عن حل مشكلة الحدود على هذا النحو؛ ولكنَّه أضاف إلى ذلك عبارة "مع تبادل للأراضي متَّفَق عليه (بين الطرفين)"؛ وأحسب أنَّ كلمة أو صفة "طفيف" كان يجب أن تأتي بعد كلمة "تبادل".

إذا قُطِعَت، وأُنْهِيت، المفاوضات غير المباشِرة والتقريبية قبل انتهاء مهلتها، أو قبل انتهاء فترة "تجميد" الحكومة الإسرائيلية للنشاط الاستيطاني، والذي ليس فيه شيء من التجميد، فإنَّ إدارة الرئيس أوباما يمكنها أن تدَّعي أنَّ المفاوضات المباشِرة قد بدأت، وتجرى، في مناخ "التجميد" لهذا النشاط الذي هو أقرب إلى "النَشِط" منه إلى "المجمَّد"، وكأنَّ هذا "التجميد" يفيض عن حاجة المفاوضات غير المباشرة، ويكفي حتى لبدء واستمرار المفاوضات المباشِرة!

جواد البشيتي